محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
132
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
عزّ وجلّ إليه : أيها المتألّي عليّ ، بل أنت لا يغفر اللّه لك ! ! . قال الحارث المحاسبي ، رضي اللّه عنه : لأنه إنما تألّى على اللّه عزّ وجلّ أن لا يغفر اللّه له لعظم قدر نفسه عنده ، وأن الإساءة إليه عند اللّه عزّ وجلّ عظيمة لا يغفرها اللّه تعالى لموضع عبادته وسجوده ، لأنه عدّ نفسه عظيم القدر عند اللّه عزّ وجلّ فجمع بين عجب وكبر واغترار باللّه عزّ وجلّ . ومن المعنيين جميعا ما روى أن عيسى عليه الصلاة والسلام خرج ومعه صالح من صالحي بني إسرائيل فتبعهما رجل خاطىء مشهور بالفسق فيهم ، فقعد منتبذا عنهما منكسرا ، فدعا اللّه سبحانه وتعالى وقال : اللهمّ اغفر لي . . ودعا هذا الصالح وقال : اللهمّ لا تجمع بيني وبين هذا العاصي ، فأوحى اللّه تعالى إلى عيسى عليه الصلاة والسلام إني قد استجبت دعاءهما جميعا : رددت ذلك الصالح ، وغفرت لذلك المجرم . وروي عن الشعبي « 1 » ، وروي أيضا عن الخليل بن أيوب : أنّ رجلا كان في بني إسرائيل يقال له « خليع « 2 » بني إسرائيل » لكثرة فساده ، مرّ برجل آخر من بني إسرائيل يقال له « عابد بني إسرائيل » وعلى رأس العابد غمامة تظله ، فقال الخليع في نفسه : أنا خليع بني إسرائيل وهذا عابد بني إسرائيل فلو جلست إليه لعلّ اللّه عزّ وجل أن يرحمني به فجلس إليه . فقال العابد في نفسه : أنا عابد بني إسرائيل وهذا خليع بني إسرائيل يجلس إليّ ! ! فأنف منه ، وقال : قم عنّي فأوحى اللّه عزّ وجلّ إلى نبيّ ذلك الزمن مرهما فليستأنفا العمل فقد غفرت للخليع وأحبطت عمل العابد . وفي حديث آخر فتحوّلت الغمامة على رأس الخليع . قال الحارث المحاسبي : « وإنما أراد اللّه عزّ وجلّ من عباده قلوبهم لتكون جوارحهم تبعا لقلوبهم ، فإذا تكبّر العالم أو العابد ، وأنف وتواضع الجاهل أو العاصي وذلّ هيبة للّه عزّ وجلّ وفرقا منه فهو أطوع للّه عزّ وجلّ من العابد أو العالم بقلبه » . نعمتان ما خرج موجود عنهما ولا بد لكل مكوّن منهما : نعمة الإيجاد ، ونعمة الإمداد .
--> ( 1 ) الشعبي ( 19 ، 103 ه - 640 - 721 م ) عامر بن شراحيل بن عبد ذي كبار الشعبي الحميري أبو عمرو ، راوية من التابعين ، يضرب المثل بحفظه ، ولد ونشأ ومات فجأة بالكوفة . اتصل بعبد الملك بن مروان فكان نديمه وسميره ورسوله إلى ملك الروم ، وكان ضئيلا نحيفا . استقضاء عمر بن عبد العزيز ، وكان فقيها شاعرا . ( الأعلام 3 / 251 ، وحلية الأولياء 4 / 310 ، ووفيات الأعيان 3 / 12 ، 15 ، وتهذيب الكمال 9 / 349 ) . ( 2 ) الخليع : الماجن أو من تبرأ منه أهله فلا يطالبون بجنايته ( ج ) خلعاء .